يابنِي أمي، جبران خلِيل 💙

gubrankhalil
ماذا تريدون مني يا بني أمي ؟
أتريدون أن أبني لكم من المواعيد الفارغة قصوراً مزخرفة بالكلام و هياكل مسقوفة بالأحلام أم تريدون أن أهدم ما بناه الكاذبون و الجبناء و أنقض ما رفعه المراؤون و الخبثاء ؟
ماذا تريدون أن أفعل يا بني أمي ؟
أأهدل كالحمائم لأرضيكم أم أزمجر كالأسد لأرضي نفسي.
قد غنيت لكم فلم ترقصوا و نحت أمامكم فلم تبكوا فهل تريدون أن أترنم و أنوح في وقت واحد ؟
نفوسكم تتلوى جوعاً و خبز المعرفة أوفر من حجارة الأودية، ولكنكم لا تأكلون و قلوبكم تختلج عطشاً و مناهل الحياة تجري كالسواقي حول منازلكم فلماذا لا تشربون ؟
للبحر مد وجزر، وللقمر نقص وكمال، وللزمن صيف وشتاء، أما الحق فلا يحول ولا يزول ولا يتغير، فلماذا تحاولون تشويه وجه الحق ؟
ناديتكم في سكينة الليل لأريكم جمال البدر و هيبة الكواكب فهببتم من مضاجعكم مذعورين و قبضتم على سيوفكم و رماحكم صارخين : أين العدو لنصرعه ؟ عند الصباح و قد جاء العدو بخيله و رجاله ناديتكم فلم تهبوا من رقادكم بل ظللتم تغالبون مواكب الأحلام.
قلت لكم تعالوا نصعد إلى قمة الجبل لأريكم ممالك العالم فأجبتم قائلين : في أعماق هذا الوادي عاش آباؤنا و جدودنا وفي ظلاله ماتوا و في كهوفه قبروا فكيف نتركه و نذهب إلى حيث لم يذهبوا ؟
قلت لكم هلموا نذهب إلى السهول لأريكم مناجم الذهب وكنوز الأرض فأجبتم قائلين : في السهول تربض اللصوص وقطاع الطرق.
قلت لكم تعالوا نذهب إلى الساحل حيث يعطي البحر خيراته فأجبتم قائلين : ضجيج اللجة يخيف أرواحنا و هول الأعماق يميت أجسادنا.
لقد كنت أحبكم يا بني أمي و قد أضر بي الحب و لم يعد بنفعكم، و اليوم صرت أكرهكم و الكره سبيل لا يجرف غير القضبان اليابسة و لا يهدم سوى المنازل المتداعية.
كنت أشفق على ضعفكم يا بني أمي و الشفقة تكثر الضعفاء و تنمي عدد المتوانين و لا تجدي الحياة شيئاً، و اليوم صرت أرى ضعفكم فترتعش نفسي اشمئزازاً و تنقبض ازدراء.
كنت أبكي على ذلكم و انكساركم و كانت دموعي تجري صافية كالبلور و لكنها لم تغسل أدرانكم الكثيفة بل أزالت الغشاء عن عيني ولا بللت صدوركم المتحجرة بل أذابت الجزع في قلبي و اليوم صرت أضحك من أوجاعكم و الضحك رعود قاصفة تجيء قبل العاصفة ولا تأتي بعدها.
ماذا تريدون مني يا بني أمي ؟
أتريدون أن أريكم أشباح وجوهكم في أحواض المياه الهادئة ؟ تعالوا إذن و انظروا ما أقبح ملامحكم.
هلموا و تأملوا فقد جعل الخوف شعور رؤوسكم كالرماد و عرك السهر عيونكم فأصبحت كالحفر المظلمة، ولمست الجبانة خدودكم فبانت كالخرق المتجعدة، وقبل الموت شفاهكم فأمست صفراء كأوراق الخريف.
ماذا تطلبون مني يا بني أمي،  بل ماذا تطلبون من الحياة و الحياة لم تعد تحسبكم من أبنائها ؟
أرواحكم تنتفض في مقابض الكهان و المشعوذين و أجسادكم ترتجف بين أنياب الطغاة و السفاحين، وبلادكم ترتعش تحت أقدام الأعداء و الفاتحين ، فماذا ترجون من وقوفكم أمام وجه الشمس ؟
سيوفكم مغلفة بالصدأ و رماحكم مكسورة الحراب، وتروسكم مغمورة بالتراب، فلماذا تقفون في ساحة الحرب والقتال ؟
دينكم رياء و دنياكم ادعاء و أخرتكم هباء فلماذا تحيون و الموت راحة الأشقياء ؟
إنما الحياة عزم يرافق الشبيبة، وجد يلاحق الكهولة و حكمة تتبع الشيخوخة، أما أنتم يا بني أمي فقد ولدتم شيوخاً عاجزين ثم صغرت رؤوسكم و تقلصت جلودكم فصرتم أطفالاً تتقلبون على الأوحال و تترامون بالحجارة.
إنما الإنسانية نهر بلوري يسير متدفقاً مترنماً حاملاً أسرار الجبال إلى أعماق البحر، أما أنتم يا بني أمي فمستنقعات خبيثة تدب الحشرات في أعماقها و تتلوى الأفاعي على جنباتها.
إنما النفس شعلة زرقاء متقدة تلتهم الهشيم وتنمو وتنير أوجه الآلهة أما نفوسكم يا بني أمي فرماد تذريه الرياح على الثلوج و تبدده العواصف في الأودية.
أنا أكرهكم يا بني أمي لأنكم تكرهون المجد والعظمة.
أنا أحتقركم لأنكم تحتقرون نفوسكم.
أنا عدوكم لأنكم أعداء الآلهة ولكنكم لا تعلمون !!!

 


طبعا ما كنت لأترك كلمات كهذه تفوتكم 8 لجبران خليل جبران من كتابه (العواصِف)، نقلتها من هنا بعد أن فتحت المدونة وبنيتي كتابتها حرفًا حرفًا 
Advertisements

One thought on “يابنِي أمي، جبران خلِيل 💙

أسمعَك :$

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s